سيد قطب
1207
في ظلال القرآن
عَلِيمٌ . . وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ . . يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي ، وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا ؟ قالُوا : شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا ! وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ، وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ » . . إن المشهد يبدأ معروضا في المستقبل ، يوم يحشرهم جميعا . . ولكنه يستحيل واقعا للسامع يتراءى له مواجهة . وذلك بحذف لفظة واحدة في العبارة . فتقدير الكلام ، « ويوم يحشرهم جميعا » - فيقول - « يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ . . . » ولكن حذف كلمة - يقول - ينتقل بالتعبير المصور نقلة بعيدة ؛ ويحيل السياق من مستقبل ينتظر ، إلى واقع ينظر ! وذلك من خصائص التصوير القرآني العجيب « 1 » . . . فلنتابع المشهد الشاخص المعروض : « يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ ! » . . استكثرتم من التابعين لكم من الإنس ، المستمعين لإيحائكم ، المطيعين لوسوستكم ، المتبعين لخطواتكم . . وهو إخبار لا يقصد به الإخبار فالجن يعلمون أنهم قد استكثروا من الإنس ! إنما يقصد به تسجيل الجريمة - جريمة إغواء هذا الحشد الكبير الذي نكاد نلمحه في المشهد المعروض ! - ويقصد به التأنيب على هذه الجريمة التي تتجمع قرائنها الحية في هذا الحشد المحشود ! لذلك لا يجيب الجن على هذا القول بشيء . . ولكن الأغرار الأغمار من الإنس المستخفين بوسوسة الشياطين يجيبون : « وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ : رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ ، وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا ! » . . وهو جواب يكشف عن طبيعة الغفلة والخفة في هؤلاء الأتباع ؛ كما يكشف عن مدخل الشيطان إلى نفوسهم في دار الخداع . . لقد كانوا يستمتعون بإغواء الجن لهم وتزيينه ما كان يزين لهم من التصورات والأفكار ، ومن المكابرة والاستهتار ، ومن الإثم ظاهره وباطنه ! فمن منفذ الاستمتاع دخل إليهم الشيطان ! وكانت الشياطين تستمتع بهؤلاء الأغرار الأغفال . . كانت تستهويهم وتعبث بهم ؛ وتسخرهم لتحقيق هدف إبليس في عالم الإنس ! وهؤلاء الأغرار المستخفون يحسبون أنه كان استمتاعا متبادلا ، وأنهم كانوا يمتعون فيه ويتمتعون ! ومن ثم يقولون : « رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ ! » . . ودام هذا المتاع طوال فترة الحياة ، حتى حان الأجل ، الذي يعلمون اليوم فقط أن اللّه هو الذي أمهلهم إليه ؛ وأنهم كانوا في قبضته في أثناء ذلك المتاع : « وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا » ! عند ذلك يجيء الحكم الفاصل ، بالجزاء العادل : « قالَ : النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها - إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ - » فالنار مثابة ومأوى . والمثوى للإقامة . وهي إقامة الدوام . . « إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ » لتبقى صورة المشيئة الطليقة هي المسيطرة على التصور الاعتقادي . فطلاقة المشيئة الإلهية قاعدة من قواعد هذا التصور . والمشيئة لا تنحبس ولا تتقيد . ولا في مقرراتها هي . « إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ » .
--> ( 1 ) يراجع كتاب : « التصوير الفني في القرآن » فصل : « التصوير الفني » وفصل : « طريقة القرآن » . « دار الشروق » .